سيد محمد طنطاوي

306

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ساق - سبحانه - مثلين زيادة في تثبيت المؤمنين ، وفي التهوين من شأن أعدائهم فقال - تعالى - : * ( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * . وقوله : * ( كَمَثَلِ . . . ) * خبر لمبتدأ محذوف . والمراد بالذين من قبلهم : يهود بنى قينقاع ، وكفار قريش الذين حل بهم ما حل من هزائم في غزوة بدر . والوبال : المرعى الضار الذي ترعاه الماشية ، دون أن تدرك سوء عاقبته . أي : مثل هؤلاء اليهود والمنافقين ، وحالهم العجيبة . . كمثل الذين من قبلهم ، وهم يهود بنى قينقاع ، الذين أخرجوا من المدينة بسبب غدرهم ، وكان خروجهم قبل خروج بنى النضير بزمن ليس بالطويل ، وكمثل مشركي قريش الذين حلت بهم الهزيمة في غزوة بدر ، فإن هؤلاء وهؤلاء قد ذاقوا في الدنيا سوء عاقبة كفرهم بدون إمهال . . أما في الآخرة فلهم عذاب شديد الألم والإهانة . ووجه الشبه بين السابقين واللاحقين ، أن الجميع قد اغتروا بمالهم وقوتهم ، فتطاولوا على المؤمنين ، ونقضوا عهودهم معهم . . فكانت عاقبتهم جميعا أن أذلهم اللَّه - تعالى - في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . . وأما المثل الثاني فيتجلى في قوله - تعالى - : * ( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلإِنْسانِ اكْفُرْ ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ . . ) * . أي : مثل المنافقين في تزيينهم الشر والفساد ليهود بنى النضير . . كمثل الشيطان إذ قال للإنسان في الدنيا اكفر باللَّه - تعالى - فلما كفر ذلك الإنسان ومات على الكفر ، وبعث يوم القيامة ، ووجد مصيره السيئ . . ندم وألقى التبعة على الشيطان الذي قال له : إني برئ منك ومن كفرك ، إني أخاف اللَّه رب العالمين ، ووجه الشبه : أن المنافقين تبرأوا من معاونتهم ومن مناصرتهم . . عندما حانت ساعة الجد . . . كما يتبرأ الشيطان من كفر الكافر يوم القيامة . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : وقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّه وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ، ووَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ، وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ، فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها . . ) * من تمام المثل الذي ضربه اللَّه - تعالى - للمنافقين واليهود . . .

--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 22 .